محمد جمال الدين القاسمي

119

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

صلّى اللّه عليه وسلّم يباشر نساءه فوق الإزار وهنّ حيّض . وفي لفظ له : كان يضطجع معي وأنا حائض وبيني وبينه ثوب . وقوله : حَتَّى يَطْهُرْنَ بيان لغاية الاعتزال . وقد قرئ في السبع : بفتح الطاء والهاء مع التشديد ، وبسكون الطاء وضمّ الهاء مخففة . والقراءة الأولى تدلّ صريحا على أنّ غاية حرمة القربان هو الاغتسال ، كما ينبئ عنه قوله تعالى فَإِذا تَطَهَّرْنَ . . . ، إلخ . والقراءة الثانية وإن دلّت على أنّ الغاية هو انقطاع الدم - بناء على ما قيل : إنّ الطهر انقطاع الدم . والتطهر الاغتسال - إلّا أنّه لما ضمّ إليها قوله تعالى : فَإِذا تَطَهَّرْنَ ، صار المجموع هو الغاية ؛ وذلك بمنزلة أن يقول الرجل : لا تكلم فلانا حتى يدخل الدار ، فإذا طابت نفسه بعد الدخول فكلّمه ! فإنه يجب أن يتعلق إباحة كلامه بالأمرين جميعا . وكذلك الآية - لمّا دلت على وجوب الأمرين - وجب أن لا تنتهي هذه الحرمة إلّا عند حصول الأمرين ، فمرجع القراءتين واحد كما بيّنا . و قد روى مسلم « 1 » عن عائشة : إنّ أسماء سألت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن غسل المحيض ؟ فقال : تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها فتطهر فتحسن الطهور ، ثمّ تصبّ على رأسها فتدلكه دلكا شديدا حتى تبلغ شؤون رأسها ، ثم تصبّ عليها الماء ، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها - والفرصة بالكسر : قطعة من صوف أو قطن أو غيره - تتبع بها أثر الدم . ثم آذن تعالى أنّ التطهر شرط في إباحة قربانهنّ ، لا يصحّ بدونه ، بقوله سبحانه فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ، أي : فجامعوهنّ من المكان الذي أمركم اللّه بتجنّبه في الحيض وهو القبل ولا تتعدّوه إلى غيره . إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ، من الذنوب وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ أي : المتنزّهين عن الفواحش والأقذار . كمجامعة الحائض والإتيان في غير المأتى . وفي ذكر التوبة إشعار بمساس الحاجة إليها - بارتكاب بعض الناس لما نهوا عنه - وتكرير الفعل لمزيد العناية بأمر التطهّر .

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في : الحيض ، حديث 61 . وتمام الحديث : فقالت أسماء : وكيف نطهّر بها ؟ فقال « سبحان اللّه ! تطهّرين بها » فقالت عائشة ( كأنها تخفي ذلك ) : تتبعين أثر الدم . وسألته عن غسل الجنابة ؟ فقال : تأخذ ماء فتطهّر ، فتحسن الطهور . أو تبلغ الطهور ثم تصب على رأسها فتدلكه . حتى تبلغ شؤون رأسها . ثم تفيض عليها الماء » . فقالت عائشة : نعم النساء نساء الأنصار ! لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين .